الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
134
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
عابد الصنم إنما يعبد في الحقيقة في نفسه ما حضر عند نفسه من صورة الهوى والأوهام ، وهو عبادته له بظنّ الإلهية وتصور الربوبية له ، لا بما هو جسم وإلا لزم أن يعبد كل جسم وهو كما ترى ، فالمعبود حينئذ هو الهوى . فعبّاد الأصنام ، وعبّاد أرباب العقائد الباطلة الجزئية وأصحاب المذاهب الجاهلية كلهم مشتركون في أنهم يعبدون هواهم إما مطلقا أو مقيّدا بصورة حجرية مثلا أو بقريّة أو شمسية أو غيرها ، فجميعهم من أهل الهوى والطاغوت وعبدة الوهم والجهل وأتباع النفس في الشهوات . وأما الكفر الثالث : أي كفر القلب الذي هو المقصود من بيانه فهو أنّ السالك إذا انجلت مرآة سرّه بحيث حوذي بها شطر الحق ، وتنقى عن عين قلبه الكدورات النفسانية ، وارتفعت عنها الغشاوات الدنياوية ، فوقع فيها نور الحق ويتجلَّى لها جمال الأحدية ، فإذا غافصه ( 1 ) تجليه تعالى ، أي تجلى له تبارك وتعالى دفعة وعن غفلة منه ، فأخذه التجلية على حين سكر منه ، فحينئذ ربما نسي هويته الإمكانية وخرج عن رتبة العبودية ، ولم يثبت بالقول الثابت فاعتقد حينئذ لذاته ، إنها عين الحق ، وبادر في تلك الحالة وقال : إنه فيها فأنا الحق . وبعبارة أخرى : زعم أنّ الحق تعالى في ذاته بحيث يرى ذاته الحق فيقول : أنا الحق أو يقول : سبحاني ما أعظم شأني ، أو يقول : قد تدرّع باللاهوت ناسوتي . وهذا حال كثير منهم إلا من يثبته اللَّه بالقول الثابت في الدنيا والآخرة ، بحيث يهديه اللَّه تعالى فيعرف أن الصورة الإلهية بما لها من المعنى المناسب لذاته المقدسة المتعالية ، ليست في مرآة ذاته ، بل تجلَّت فيها . وبعبارة أخرى : يفهمه اللَّه تعالى أنّ الحقيقة الإلهية بما هي هي ليست في حقيقة ذاته ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، بل تجلَّت تلك الحقيقة فيها إشراقا ، وما حلَّت فيها حلولا ، بل ظهرت منها ظهورا ، أي ظهرت الحقيقة الإلهية بتجليه وإشراقه من
--> ( 1 ) المغافصة : بناگاه گرفتن وبر غفلت كسى آمدن . .